محمد بن المنور الميهني
67
أسرار التوحيد في مقامات أبي سعيد
شبهة في أن جميع الشيوخ والصوفية الحقيقيين واحد ، وليس لهم ثنائية بأي صفة . اعلم أن اتفاق جميع الأديان والمذاهب ، والمحقق لدى العقلاء ، أن المعبود والمقصود جل جلاله واحد ، والحق جل جلاله وتقدست أسماؤه واحد من كل وجه ، وقطعا ليس هناك مجال للثنائية . وإذا كان هناك اختلاف في السالكين أو الطريق فإنهم عندما يصلون إلى الهدف يرتفع الخلاف ويتبدل كله بالوحدة ؛ لأنه طالما بقي في السالك شئ من صفات البشرية فهو لم يصل بعد إلى المقصود ، ويظهر على حاله التلون في الطريق ، فإذا وصل إلى المطلوب والمقصود لا يبقى فيه من هذا كله شئ ويصير كله وحدة مجردة ، ومن هنا يقول واحد من المشايخ « أنا الحق » ، ويقول آخر « سبحانى » ، ويقول شيخنا « ليس في جبتى سوى اللّه » . المحقق إذن أنه إذا لم يصل السالك إلى المقصد ؛ فإنه يصبح غير لائق لأن يصير شيخا ، بل إنه يكون عندئذ محتاجا إلى مرشد ليدله على الطريق . وكل من يصل إلى مقصده يصبح جديرا بأن يصير شيخا . إذن فأقوال المشايخ أصبحت صادقة بالبرهان ؛ لأن ما ذكروه من أن الكل واحد ، والواحد كل ، قد أخبروا به عن الوصول إلى المقصد ، ولا تبقى شبهة في هذا بعد ذلك ؛ لأنه ما دام الكل واحدا والواحد كل ؛ فإن أيديهم وخرقهم تكون كلها واحدة . وكل من يقول إنه لا يجوز أخذ خرقة من شيخين ؛ فإنه يخبر عن نفسه بأنه ما زال في عالم الثنائية وأنه يراهم اثنين ، ويعتبرهم اثنين ، ولا يعرف شيئا عن أحوال المشايخ ، وعندما تتفتح عينيه ويقع نظره على هذا العالم فإنه عندئذ يتحقق . وربما يريد شخص من القول بأنه لا يجب أخذ خرقة ثانية ، نية بطلان الخرقة الأولى . وهذا القول صحيح ؛ فإن الخرقة الثانية بهذه النية لا يكون أخذها صحيحا . وكل من يفعل مثل هذا يبطل الخرقة الأولى التي ارتداها ، ويصبح ارتداء الخرقة الثانية حراما عليه ، ويحرم بين الجميع من الخرقتين والعياذ باللّه .